ابراهيم بن عمر البقاعي

403

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

للمشاركة فيه بوجه من الوجوه ، ويجوز أن يكون إِذا منصوبا بالمحذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب ، فيكون أهول أي إذا وقعت كانت أمورا يضيق عنها نطاق الحصر . ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه لا بد من كونها ، عبر عنه بانيا على مبتدأ محذوف فقال : لَيْسَ لِوَقْعَتِها أي تحقق وجودها كاذِبَةٌ * أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم الفاعل للمبالغة بأنه ليس في أحوالها شيء يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلا ولا يقر عليه ، بل كل ما أخبر بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء ، وكل ما أخبر بنفيه انتفى فلا يأتي به شيء ، وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله مخبرا عن مبتدأ محذوف : خافِضَةٌ أي هي لمن يشاء اللّه خفضه من عظماء أهل النار وغيرهم مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين رافِعَةٌ * أي لضعفاء أهل الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه . ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية أكده بقوله وزاد ما يشاء منه أيضا بقوله مبدلا من الظرف الأول بعض ما يدخل في الرفع والخفض : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر رَجًّا * أي زلزلت زلزالا شديدا بعنف فانخفضت وارتفعت ثم انتفضت بأهلها انتفاضا شديدا ، قال البغوي : والرج في اللغة التحريك . ولما ذكر حركتها المزعجة ، أتبعها غايتها فقال : وَبُسَّتِ الْجِبالُ أي فتتت على صلابتها وعظمها بأدنى إشارة وخلط حجرها بترابها حتى صار شيئا واحدا ، وصارت كالعهن المنفوش ، وسيرت وكانت تمر مرّ السحاب بَسًّا * فَكانَتْ أي بسبب ذلك هَباءً غبارا هو في غاية الانمحاق ، وإلى شدة لطافته أشار بصيغة الانفعال فقال : مُنْبَثًّا * أي منتشرا متفرقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل في كوة . ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة ، ذكر مبادئ غاياتها فقال : وَكُنْتُمْ أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في الدنيا أَزْواجاً ثَلاثَةً * أي أصنافا لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها قسمين : أعلى ودونه ، ليكون ذلك أدل على تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة المنقسمين إلى سابقين وهم المقربون ، وإلى لاحقين وهم الأبرار أو أصحاب اليمين ، وكأنهم من أولي القلب الذي هو العدل السواء من أصحاب المشأمة إلى آخر أصحاب الميمنة فأصحاب السواء هم المقربون ، وبقية أصحاب الميمنة أصحاب اليمين ، وأصحاب المشأمة هم أصحاب القسم الثالث ، وكل من الثلاثة ينقسم إلى أعلى ودونه ، وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة ، قال البيضاوي : وكل صنف